مواطن

Sunday, April 26, 2009

ثورة على الديمقراطية

في الديمقراطيات الصحيحة يوجد صندوقان للاقتراع لكل شخص وليس صندوق واحد كما هو الاعتقاد السائد ، الصندوق الأول يحكم الصندوق الثاني ويشكل هويته ، الأول هو صندوق الدماغ والثاني هو صندوق الإقتراع ، متى ما صلح الأول فلنستبشر خيرا بالثاني .
.
هل خلقت الديمقراطية لخدمتنا أم خلقنا نحن لخدمة الديمقراطية ؟ قبل الاجابة على هذا السؤال يجب الانطلاق إلى فضاء هذا الموضوع من أرضية مشتركة ، وهي أن زمن الحلول الأحادية لمشاكلنا المستعصية هو ضرب من الخيال و غير قابل للتطبيق ، فكما كان يعتقد عرب الخمسينات والستينات بأن الحل الشامل لمشاكلهم يكمن في سر بسيط وهو تبني الناصرية والقومية العربية ، وما لبثوا بعد أن تكشفت الحقائق حتى انقلبوا عن آرائهم وعاد الوضع إلى أسوء مما كان عليه ، لست هنا بمقارن بين الديمقراطية وبين الناصرية والقومية ، فالأولى نظام حكم بينما الأخريات أيديولوجيات تحيا وتموت ، ولكن المسألة هي في ادعاء الحل السحري من ما لا يحتمل أن يكون حلا إما لمثاليته أو لقصور أفكاره أو لعدم قدرة ظروف المجتمع على استيعابه وتقبله .
.
مخطأ من يعتقد أن السلوك الديمقراطي ينشأ مع الإنسان منذ ولادته ، الأصل في الانسان هو إشباع الرغبات والحاجات الذاتية بأي طريقة حتى ولو على حساب الآخرين ، يمكن التأكد من هذه الفرضية من خلال النظر في أخبار المجتمعات الغير محكومة بنظام اتفق عليه المواطنون ، وما الأنظمة السياسية – بشتى أنواعها - إلا محاولة تقنين حاجات الأفراد الموجودين في دولة معينة حتى لا تطغى رغبة فوق رغبة بفعل القوة سواء كانت مادية أم همجية ، هذا يذكرنا بنظرية العقد الاجتماعي التي طرحها جون جاك روسو وكذلك توماس هوبزحيث قالا بأن المواطنون في أي دولة يستغنون عن جزأ من حقوقهم بإعطائها للحاكم في سبيل الحصول على الأمن والعدل والمساواة ، وهذا مدخلنا إلى ثورتنا التي أطلقنا عليها ثورة على الديمقراطية .
.
الديمقراطية تفترض أنه يجب على جميع المشاركين في لعبتها قبول التنازل عن بعض مطالبهم في حال تعارض هذا المطلب مع مصلحة و رغبت الأغلبية ، لأن الغلبة دائما تكون للأكثر عدادا ، أليست الديمقراطيه هي نظام حكم الأكثرية ؟ ، إذا قبلنا بهذا المصطلح فيجب علينا كمجتمع متحضر التعامل معه بما يخدم النظام ويقوي دعائمه ، لا أن ندعي تطبيق الديمقراطيه ثم نخالف أركانها بمجرد عدم توافق رغبت القله مع رغبة الأغلبية !! ، من غير المنصف اجتزاء الأنظمة السياسية وعدم تطبيقها بشكلها المتكامل وبعد ذلك المطالبة بنتائج سحرية ، هل يمكن بناء صرح من غير استخدام جميع مواده التي تبقيه صالحا وغير قابل للسقوط في أي وقت بمجرد أي هزة عنيفة ، وكذلك هي الديمقراطية .
.
طرح جورج طرابيشي عدة إشكاليات متعلقة بالديمقراطية أراها مناسبة للاستعراض هنا والشرح في نفس الوقت ، بدأ بإشكالية البذرة والثمرة ، تسائل عما إذا كانت الديمقراطية ثمرة يانعة برسم القطف أم هي أيضا بذرة برسم الزرع ؟ أي هل هي شرط مسبق أم نتيجة وحصيلة لتطور مجتمع بعينه ؟ إذا اعتبرنا الديمقراطية بذرة برسم الزرع فهذا معناه أنها تحتاج إلى جهد وعمل وعناية حتى تأتي ثمارها والأهم من ذلك كله هو زراعتها في تربتها الصحيحة وإلا كان مآلها إلى الموت ، أما اذا كانت ثمرة برسم القطف فهذا موضوعه يطول ، الإشكالية الثانية التي طرحها طرابيشي هي وكما عنونها بإشكالية مفتاح المفتاح ، ومعناها أن الديمقراطية وقبل أن تكون مفتاحا لجميع الأبواب فإنها هي نفسها تحتاج إلى مفتاح ، من مفاتيحها مثلا تحسين أسلوب الحوار والقبول بما رضيت به الأكثرية و كذلك مدى المستوى العلمي الذي يتمتع به العاملون بالديمقراطية ، قس هذه المفاتيح على تجربتنا البرلمانية ولك أن ترى مستوى المفاتيح المتدنية التي يملكها أغلب ممثلونا بالبرلمان ، هنا أنا لست أشك في كون العديد من متمرسين السياسة لدينا قد كفروا بالديمقراطية دون أن يقام عليهم الحد من قبل الناس ، لأن الناس ما زالت تصوت لصاحب الصوت العالي ولو كان بلا طعم أو رائحة أو لون ، والدلائل واضحة ولا تحتاج لأي عدسة مكبرة .
.
أستذكر هنا اقتراح اقترحه صديق وهو أن يتم إعطاء المرشحين الفائزين بالانتخابات دورات على مدى شهرين قبل دخولهم في العملية التشريعية ، دورات في طريقة الحوار الحضارية ومنهجية اتخاذ القرار والتفكير وعن مبادئ الاقتصاد وكذلك عن تاريخ الكويت وقبل هذا وذاك عن معنى الديمقراطية الصحيح

Labels: , , , ,

Monday, April 13, 2009

ابن خلدون والحالة الكويتية



عندما يكون الانطباع الشخصي حيال أي مسألة هو الدليل في اطلاق الأحكام ، حينها لنجمع الناس خلف إمام يكبر أربع تكبيرات معلنا وفاة أسمى جزأ في تكوين الإنسان وهو العقل الذي انتحر لتهميشه عن الدورالذي من أجله خلق
.
هل السياسة هي مهنة أم ممارسة ؟ كثير ما كنت أتفكر في هذه المسألة لأن ما وراء إجابة هذا التساؤل مؤشرات كثيرة ، إذا كانت مهنة – وأقصد هنا السياسة – فهذا يدخلها في معجم غيرها من المهن والتي يحتاج روادها مهارات ومواصفات خاصة حتى يمتهنونها ، وإذا اعتبرناها ممارسة فعلى من يمارسها أن يعرف أبجدياتها وإلا لضرب أخماس بأسداس
.
حوار الطرشان هو أقل ما يمكن أن نطلقه على الحوارات التي يتصدرها بعض السياسيون لدينا إبتداءا من الجلسات الحوارية العادية انتهاءا بالنقاشات داخل البرلمان ، كل يطلق أحكامه بالقبول والرفض والمدح والانتقاد بناءا على انطباعه الأولي أو على اشاعه سمعها – وما أكثرها لدينا- واعتقد له أنها صحيحه ، الإشكاليه هنا أن معايير النقد الصحيحه غابت وغاب معها الحق و الحقيقه وصارت الدولة تسير وفق اهواء جهال حكّموا انطباعهم على المنطق الصحيح وبالتالي ضاعت الحقيقة التي ننشدها كوننا مواطنين نطمح أن نرى بلدا مزدهر بني على أساسات صحيحه لا على آراء قد تسمح الصدفة أن يقف الصواب معها وهذا نادر جدا ، إذن المشكلة تكمن في غياب المنهج الذي على أساسه نبني آراءنا وطريقة تعاملنا مع الأحداث ، و إشكالية غياب المنهج هنا هي غطاء لإشكاليات كثيره تشوب العمل السياسي والتي جعلت منه شيئا كريها تستعيذ منه الناس ، من هذه الإشكاليات غياب طرق الانتقاد الحضارية ، والابتعاد عن المهم والانشغال بالتافه ، والتكسب السياسي في القضايا الرخيصه وغيرها من إشكاليات
.
إذا ذكر ابن خلدون (1332 م – 1406 م ) في التاريخ فإنه دائما يذكر معه منهجه المميز الذي يعتبر انقطاعا معرفيا في المنهج – بحسب تعريف غاستون باشلار- عن من سبقه من علماء للتاريخ ، هذا التميز الذي انفرد فيه ابن خلدون كان لاعتماده في اسلوبه البحثي على أمرين رئيسين هما تمحيص الأخبار وتعليل الوقائع ، إذ ليست المسألة هي فقط في تملك الخبر و المعلومه –على اعتبار انها صحيحه- ولكن معرفة العلة وراء هذه المعلومه هي الأهم ، وكما قالوا العبرة تكمن في العلل ، ولكي تعرف حجم المنفعه التي قدمها ابن خلدون للتاريخ يكفيك أن ترى أن التاريخ تذكر مقدمته ونسى غالب أحداث ذالك الزمن
.
ما علاقة ابن خلدون في سياستنا وحالتنا الكويتيه ؟ وهل كانت جزأ من مقدمته المشهورة ذكر أنه سيأتي اليوم الذي نرى فيه المتردية والنطيحة تشتغل في شؤون السياسة ؟ وهل كان يعلم بأن سخرية القدر ستحتم علينا أن يأتي يوم يتكلم فيه الطبيب أو مفتش البلديات أو إمام المسجد عن أدق مسائل الاقتصاد ؟ بالطبع لا – وإلا لما كتب مقدمته - ، من أبرز ما ناقش ابن خلدون في كتابته لمقدمته هو انتقاده للمنهج الذي اعتمده المؤرخين الذين سبقوه في ذكرهم وتحليلهم للتاريخ ، إذ أن المنهج هو الاساس وإذا خرب الأساس فعلى البقية السلام ، هذا مدخلنا لكشف العلاقة بين ابن خلدون و الحالة الكويتية ، إقرأ النقاط التي ذكرها في انتقاده للمؤرخين الذين سبقوه وستكتشف وكأنها مفصلة على متصدرين السياسة لدينا –والصدارة هنا مفهوم نسبي- ، أذكر منها على سبيل المثال ، ، الذهول عن المقاصد (( فكثير من الناقلين لا يعرف القصد بما عاين أو سمع ، وينقل الخبر على ما في ظنه وتخمينه فيقع في الكذب ،ص 58)) ، الجهل بتطبيق الأحوال على المقاصد ((لأجل ما يداخلها من التلبيس والتصنع ، فينقلها المخبر كما رآها وهي بالتصنع على غير الحق في نفسه ،ص 58)) ، التشيع للآراء والمذاهب ويقصد هنا التعصب الأعمى لرأي أو مذهب أو عرق
.
إذا المسألة ليست في امتلاك السياسي لمايكرفون صوته عالي يتكلم عن طريقة ويجد من مقاعد المتفرجين من يصفق له ويحييه ويرفع له القبعه-أو العقال كما هو عندنا- ، المسألة هي في جودة ومضمون الكلام ومدى صحته ومدى انسجامه مع الواقع المحسوس ، وقبل هذا كله تطابقه مع المنهج العقلاني الصحيح ، رحمك الله يا ابن خلدون .

Labels: , ,